القرطبي
63
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
خرّجه الترمذي « 1 » . أي عند الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم ، يعاين ما يصير إليه من رحمة أو هوان ، ولا تنفع حينئذ توبة ولا إيمان ، كما قال تعالى في محكم البيان : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] . وقال تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [ النساء : 18 ] فالتوبة مبسوطة للعبد حتى يعاين قابض الأرواح ، وذلك عند غرغرته بالروح ، وإنما يغرغر به إذا قطع الوتين ، فشخص من الصدر إلى الحلقوم ، فعندها المعاينة ، وعندها حضور الموت ، فاعلم ذلك . فيجب على الإنسان أن يتوب قبل المعاينة والغرغرة ، وهو معنى قوله تعالى : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [ النساء : 17 ] . قال ابن عباس والسّدّيّ : من قريب : قبل المرض والموت . وقال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسّوق وأن يغلب المرء على نفسه . ولقد أحسن محمود الورّاق حيث قال : قدّم لنفسك توبة مرجوّة * قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها * ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا - رحمهم اللّه - : وإنما صحّت منه التوبة في هذا الوقت ، لأن الرجاء باق ، ويصح الندم والعزم على ترك الفعل . وقيل : المعنى : يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار ، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله من العمل الصالح ، والبعد كل البعد الموت ، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب . عن الضحاك رضي اللّه عنه أيضا . وعن الحسن : لما هبط إبليس قال : بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده ، قال اللّه تعالى : وعزّتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه . والتوبة فرض على المؤمنين باتفاق المسلمين « 2 » لقوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ] وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 132 ) والترمذي ( 3537 ) وابن ماجة ( 4253 ) ، وحسنه الألباني كما في « صحيح الجامع » ( 1899 ) . ( 2 ) انظر : « الجامع لأحكام القرآن » للمصنف ( 5 / 90 و 18 / 197 ) و « مختصر منهاج القاصدين » لابن قدامة ص 322 و « مجموع الفتاوى » ( 10 / 310 ) .